محمد متولي الشعراوي

715

تفسير الشعراوي

وحين يحرم اللّه « الميتة » فليس هناك أحد منا مطالب أن يجيب عن اللّه ؛ لماذا حرم الميتة ؟ ، لأنه يكفينا أن اللّه قال : إنها حرام ، وما دام الذي رزقك قال لك : لا تأكل هذه ؛ فقد أخرجها من رزقية النفعية المباشرة ، ولو لم يكن فيها ضرر نعلمه ، هو سبحانه قد قال : لا تأكلها ، فلا تأكلها ، لأنه هو الذي رزق ، وهو الذي خلقك ، وهو الذي يأمرك بألا تأكلها ، فليس من حقك بعد ذلك أن تسأل لماذا حرمها على ؟ . وهب أننا لم نهتد إلى حكمة التحريم ، ولم نعرف الأذى الذي يصيب الإنسان من أكل الميتة ؟ هل كان الناس يقفون عند الأمر حتى تبدو علته ، أم كانوا ينفذون أوامر اللّه بلا تفكير ؟ لقد استمع المؤمنون لأوامر الحق ونفذوها دون تردد . إذن ، فمادام اللّه يخاطبنا ، فبمقتضى حيثية الإيمان يجب أن نتقبل عنه الحكم ، وعلة قبول الحكم هي صدوره من الذي حكم . أما أن نعرف علة الحكم ، فهذه عملية إيناس للعقل ، وتطمين على أن اللّه لم يكلفنا بأمر إلا وفيه نفع لنا ، والمؤمن لا يصح أن يجعل إيمانه رهنا بمعرفة العلة . إن الحق يقول : « إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ » والآية صريحة في أن كل ميتة حرام ، وما دامت ميتة فقد كان فيها حياة وروح ثم خرجت ، لكننا نأكل السمك وهو ميت ، وذلك تخصيص من السّنة لعموم القرآن ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحل لكم ميتتان : السمك والجراد ، ودمان ؛ الكبد والطحال » « 1 » . لماذا هذا الاستثناء في التحليل ؟ لأن للعرف في تحديد ألفاظ الشارع مدخلا ، فإذا حلفت ألا تأكل لحما وأكلت سمكا فهل تحنث ؟ . لا تحنث ، ويمينك صادقة ؛ رغم أن اللّه وصف السمك بأنه لحم طرىّ ، إلا أن العرف ساعة يطلق اللحم لم يدخل فيه السمك . إذن ، فالعرف له اعتبار ، لذلك فالزمخشرى صاحب الكشاف يقول في هذه المسألة : « لو حلفت ألا تأكل اللحم وأكلت السمك فإجماع العلماء على أنك لم تحنث

--> ( 1 ) هذا الحديث أخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني والحاكم والبيهقي عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا .